يحيى بن معاذ الرازي
108
جواهر التصوف
البول ) ، فكتم ما به ولم يتضرر منه لأحد ، وفي الصباح جاءه أصحابه من أماكن مختلفة يسألونه عن دائه ، وأخبره كلّ واحد منهم أنه سمع في مكانه صوت أستاذه يسأل اللّه الشفاء . . ففهم الشيخ الإشارة أن المطلوب منه إظهار الجزع تأدّبا مع العبودية ، وأن الجزع لا ينافي الرضا ، فأخذ يطوف على الكتاتيب ويطلب من الصبيان أن يدعوا اللّه لشيخهم الكذّاب . * * * 156 - « لو لم يسكنهم ببلواه لطارت بهم نعماه ، ولم يصل إليه من لم يرض بقسمه ، ولم يعرفه من لم يتمتع بنعمه ، ولم يحبّه من لم يته في كرمه » [ الحلية : 10 / 59 ] * قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [ الشورى : 27 ] وقال شقيق بن إبراهيم في هذه الآية : إن اللّه عز وجل لو رزق العباد من غير كسب لتفرغوا فتفاسدوا ، ولكنهم شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد . والآية إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 7 ] . والآية : ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ [ الزمر : 49 ] * يغلب على الإنسان طبيعة البغى والعدوان إن مكّن اللّه له في الأرض ، واستغنى وتنكر للمنعم ، بل تأخذه العزّة بالإثم ، فيدّعى أنّ النّعم التي أفاضها اللّه عليه كانت لما فيه من فضل ، أو ما له من استحقاق ، أو على علم منه بوجوه الكسب ، كما قال قارون : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] . ولكن اللّه العليم بما خلق : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] وهو الخبير بما انطوت عليه جوانح الخلق ، وما يصلحهم - جعل في مقابل هذه النّعم بعض الابتلاءات حتى تعيد التوازن إلى هذا الكائن المغرور ، وتذكّره بحقيقته وهي أنه عبد يطعمه سيّده ويكسوه ، ويؤدبه كيف يشاء ولو علا مفرقة التاج ، فالابتلاء عصا القدرة يقرع بها الخلق في سوقهم نحو حظيرة العبودية . . والحرّ تكفيه الإشارة ، وقال ذو النّون المصرىّ : « البلاء ملح المؤمن ، إذا عدم الملح فسد حاله » . * * * 157 - « إذا لاحظت ( أنّ ) الأشياء منه كان لها طعم آخر » [ الحلية : 67 ] * يختلف استقبال الأنفس للأمور باختلاف مصادرها ؛ فمثلا مزحة الصّديق معك تضحكك »